الجولة الثانية ضمن مشروع “مدينتي”: تنظيم وتعزيز قدرات ونشاط مجموعات جماهيرية نحو مجتمع عربي محصن وقادر على مواجهة الأزمات والتحديات التي تواجهه

في ظل تصاعد وتيرة التحديات والمخاطر التي تواجه المجتمع العربي الفلسطيني في المدن الساحلية المختلطة، برزت الحاجة الملحة إلى تطوير استراتيجيات وآليات عمل جديدة قادرة على مواجهة هذه التحديات والدفاع عن الوجود والهوية والحقوق العربية فيها. ومن هنا، أطلقت جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا، بالتعاون مع شركائها من مؤسسات المجتمع المدني والقوى الفاعلة في المدن الخمس (حيفا، عكا، يافا، اللد والرملة)، مشروع “مدينتي” الرائد، والذي يهدف إلى تنظيم وتمكين مجموعات من الناشطين والناشطات العرب، وتزويدهم بالمعارف والمهارات والأدوات اللازمة للعب دور ريادي في تعزيز صمود مجتمعاتهم ومواجهة سياسات التمييز والأسرلة والتهميش التي تستهدفها.

ويسعى المشروع، من خلال سلسلة من النشاطات والفعاليات المتنوعة، إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها بناء شبكة متينة من العلاقات والتحالفات بين المجموعات الناشطة في هذه المدن، انطلاقًا من إدراك أهمية العمل المشترك والموحد في مواجهة التحديات المشتركة. كما يهدف المشروع إلى تعزيز الوعي بتاريخ وحاضر ومستقبل هذه المدن ومكانتها في الصراع الوطني، إلى جانب العمل على تحسين شروط الحياة فيها على مختلف الأصعدة، من خلال رفع مستوى الخدمات والمرافق العامة، وتطوير مبادرات تنموية واقتصادية مستدامة بالشراكة مع مختلف الفاعليات المحلية.

وفي إطار هذا المشروع، نظمت جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا جولة ميدانية ثانية يوم السبت الموافق 18 أيار 2024، بعد نجاح الجولة الأولى التي جرت في اللد والرملة في شهر شباط الماضي. وشارك في هذه الجولة الأخيرة 45 ناشطًا وناشطة من مختلف المدن الخمس، زاروا خلالها مدينتي حيفا وعكا، بهدف تعميق المعرفة والانتماء للأحياء والمعالم العربية فيهما، وزيادة أواصر التكافل والتضامن بين المشاركين والمشاركات، والتفكير معًا في آليات العمل المشتركة حول القضايا العينية والمصيرية التي تواجه مجتمعاتهم.

محطات الجولة في حيفا

انطلقت الجولة في حيفا بإرشاد المؤرخ المتميز د. جوني منصور من ساحة الحناطير، حيث قدم د. منصور لمحة عامة حول تاريخ المدينة، مركزًا على حيفا الحديثة التي بناها ظاهر العمر الزيداني قبل 250 عامًا، ومن ثم تطورها وانفتاحها خارج أسوار المدينة القديمة غربًا وشرقًا وجنوبًا.

ثم انتقل المشاركون إلى حي وادي الصليب المهدم، حيث تم الحديث عن تاريخه وأهميته، ونبذة عامة عن واقع حيفا حتى يومنا هذا في ظل سياسات التمييز ومحاولات طمس هوية المكان، كما هو الحال في باقي المدن المختلطة. كما زار المشاركون مؤسسة بيت النعمة وكنيستها التي أعادها إلى الوجود الراحل كميل شحادة من خلال تأسيس الجمعية التي تحمل اسمها.

وخلال الجولة في حيفا، استمع المشاركون إلى شروحات مفصلة حول التغيرات العمرانية والديموغرافية التي شهدتها المدينة منذ النكبة عام 1948، وكيف تعرضت الأحياء العربية لسياسات التهميش والإهمال، في حين شهدت مناطق أخرى من المدينة تطورًا كبيرًا لصالح السكان اليهود. وتطرق د. منصور أيضًا إلى الدور التاريخي الذي لعبته المؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية في الحفاظ على الهوية العربية الفلسطينية للمدينة، رغم كل التحديات.

في عكا: جولة بين الماضي والحاضر

أما في مدينة عكا، انطلقت الجولة بإرشاد الناشط تيسير خطيب، مركز مشروع “مدينتي”، إلى جانب الناشط أشرف عامر، عضو البلدية وممثل المدينة في المشروع، والناشطتين جهينة صيفي وهزار بدين، عضو مؤسس لحركة شباب 5000 العكية، التي بادرت وما زالت مسارات تغيير مجتمعي وتعزيز العمل الشبابي في المدينة وعلى مستوى المجتمع الفلسطيني ككل.

بدأت الجولة في عكا بزيارة حي “البساتين” أو “بربور” غير المعترف به رسميًا من قبل السلطات، والذي لا تزال محاولات تهجير سكانه وهدم بيوتهم قائمة، حيث يعاني الحي من غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية، فيما لا يزال أهله يسكنون في بيوت بدائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة العصرية. وتعرف المشاركون على مأساة هذا الحي الذي يشكل أحد آخر معاقل الصمود الفلسطيني في المدينة، ونضال سكانه للحفاظ على أرضهم وبيوتهم.

زار المشاركون قرية المنشية والتي هُدمت وهُجِّر اهلها بالكامل عام 1948 ولم يبق من آثارها سوى المسجد المحاط بالأسلاك الشائكة، بعد تعرضه لاعتداء من قبل متطرفين يهود خلال أحداث “يوم الغفران” عام 2008.

وقبل التوجه إلى البلدة القديمة، مر الوفد على حي “الرشادية” الذي تحول اسمه إلى “بن عامي” (نسبة لعملية احتلال الجليل)، وما يعرف بالحي الانتدابي الذي لا تزال فيه بعض البيوت العربية العريقة التي تعود لثلاثينيات القرن الماضي. كما زاروا حي “فولفسون” الذي بني في ستينيات القرن الماضي لليهود المهاجرين، وتسكنه اليوم غالبية فلسطينية، وسط إهمال واضح من قبل البلدية.

داخل أسوار البلدة القديمة، جال المشاركون في حارات مثل الشيخ عبد الله والمعاليق، وتعرفوا على واقعها الذي تغير بفعل سياسات التهويد والاستيطان والتهجير، حيث تم إفراغ حارة المعاليق بالكامل من سكانها العرب، ولم يتبق فيها سوى بعض العائلات التي تحولت بيوتها إلى فنادق ونزل للسياح. كما استمعوا لتجربة أهالي حارة الشونة في إحباط مخطط لطردهم وهدم بيوتهم لإقامة مشروع فندقي، بفضل تنظمهم وتضامن أهل المدينة معهم.

في المقابل، شهدت الجولة على مشاريع تهويدية تقودها جمعيات استيطانية، مثل بناية اشترتها جمعية “أياليم” وحولتها إلى ما يسمى “قرية الطلاب”، في قلب حارة المعاليق العربية. كما تطرقت إلى محاولات السيطرة على الملعب الوحيد داخل الأسوار (ملعب الشونة) وتحويله لمشروع فندقي، قبل أن ينجح تحرك أهالي الحي والمجموعة الشبابية  “عكا 5000” في إعادة ترميمه كمساحة آمنة لأطفال المدينة.

وفي محطة لافتة، زار الوفد “الزاوية الشاذلية”، وهي طريقة صوفية عريقة في المدينة، حيث تعرف الكثير من المشاركين لأول مرة على هذا المعلم الروحي المميز في عكا، والذي يعكس عراقة النسيج الاجتماعي للمدينة وغناه.

نجاح الجولة وتفاعل المشاركين

لاقت الجولة تفاعلًا إيجابيًا كبيرًا من قبل المشاركين الذين أبدوا حماسة وانخراطًا ملحوظين طوال فعالياتها. وفي ردود فعلهم الأولية، أكد الناشطون على أهمية ما اكتسبوه من معارف جديدة حول تاريخ وحاضر المدينتين، والقواسم المشتركة التي تجمع بين مدن المشروع الخمس من قضايا ومشاكل وإرث حضاري وثقافي.

كما شددوا على ضرورة استمرار العمل المشترك بين المجموعات الناشطة في هذه المدن بأساليب متنوعة، وتوسيع دائرة المشاركين فيها لتشمل المزيد من الشباب والقطاعات المجتمعية الأخرى. كذلك أعرب المشاركون عن رغبتهم في أن يكونوا شركاء حقيقيين في عملية التخطيط للخطوات والنشاطات القادمة، بناء على ما لمسوه خلال الجولتين الأوليين من أثر إيجابي لهذا المشروع الطموح.

وفي هذا السياق، أكد القيمون على مشروع “مدينتي” أن هذه الجولات تأتي ضمن استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع العربي في المدن المختلطة، من خلال تنظيم وتمكين نشطائه وتعزيز قدراتهم على العمل الجماعي في مواجهة سياسات التمييز والأسرلة التي تستهدف وجودهم ومستقبلهم. كما شددوا على أن نجاح هذا المشروع يتطلب انخراط أوسع للقوى الحية والفاعلة في كل مدينة، وتضافر جهود مختلف مكونات العمل الأهلي والشعبي، بما يضمن الحفاظ على الهوية العربية الفلسطينية لهذه المدن ونسيجها الاجتماعي، ومواصلة دورها النضالي والتنويري في قلب الصراع الوطني المصيري.

وشكلت هذه الجولة محطة متقدمة في مشروع “مدينتي”، حيث وفرت للمشاركين فرصة التعرف عن كثب على واقع مدينتي حيفا وعكا ومعالمهما العربية، إلى جانب بناء جسور التواصل والتنسيق بين المجموعات الناشطة فيهما، وهو ما يؤسس لمرحلة جديدة من العمل المشترك والتكاملي بين هذه المجموعات، بما يخدم هدف تعزيز الصمود والمنعة والوعي لدى المجتمع العربي داخل المدن المختلطة.

وقد عبر العديد من المشاركين عن أملهم بأن تشكل هذه الجولة نقطة انطلاق نحو حراك أوسع وأشمل، يضع في أولوياته استنهاض المجتمع العربي وتصليب عوده في مواجهة سياسات التهميش والقمع والاستيطان، وأن يترجم ما اكتسبوه من معارف وخبرات إلى برامج عمل فعلية على الأرض، تسهم في تغيير واقع مجتمعاتهم للأفضل.

أما على مستوى الأثر والتأثير، فقد ساهمت هذه الجولة بشكل ملموس في توسيع دائرة النقاش حول قضايا المدن المختلطة ومصير العرب فيها، كما أسهمت في إثراء الحوار المجتمعي الداخلي حول سبل مواجهة التحديات الوجودية والحياتية اليومية التي تواجه السكان العرب في هذه المدن، وهو ما يمهد لتبلور رؤية وطنية شاملة ومتكاملة في هذا الشأن.

نأمل أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدًا وتوسيعًا لأطر العمل المشترك بين المجموعات والقوى الناشطة في المدن المختلطة، بما يسهم في تعزيز روح المبادرة والتضامن والدفاع عن الوجود العربي فيها، وتسريع الخطى نحو هدف تحقيق المساواة الكاملة والعدالة الاجتماعية لمجتمعنا.

يشارك:

احتفالية الأربعين لجمعية التطوير الاجتماعي- نحو عقدها الخامس من العمل

احتفلت أمس الثلاثاء جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا بمرور أربعين عامًا على تأسيسها في قاعة كريجر في حيفا تحت عنوان “كلنا من أجل حيفا”. استعرضت الجمعية مسار عملها الدؤوب منذ اربعين عامًا حتى اليوم في شتى المجالات في حيفا

اقرأ أكثر
تابعنا
أحدث الأخبار
أحدث المنشورات
فئات
Skip to content