التعليم

التعليم: مساحة صوتٍ وحقٍّ وانتماء

أيدٍ ترتّب بطاقاتٍ مطبوعة ورسوماتٍ وأوراقًا لاصقة على طاولة، خلال جلسة تصميمٍ مشترك مع طاقم التيسير.

جلسة تصميمٍ مشترك مع طاقم التيسير · فرز البطاقات · حزيران 2026

التعليم ليس شأنًا مدرسيًّا فقط. في حيفا، هنا تُحسم أوّلًا مسائل المساواة والهويّة والانتماء وفرص المستقبل، وهنا يظهر الإقصاء البنيويّ في يوميّات الطفل قبل أن يظهر في أيّ مكانٍ آخر.

تعرفون هذا الواقع أكثر ممّا يصفه أيّ نصّ: فجواتٌ في البنى التحتيّة المدرسيّة، ومرافق تنقصها الموارد، ومدارس ميزانيّاتها شحيحة وهويّتها نفسها تحت الضغط. فرص الإثراء باللغة العربيّة محدودة، وكذلك المساحات غير المنهجيّة التي يتمرّن فيها أبناؤكم وبناتكم على التعبير والحُكم والقيادة، لا على استيعاب المنهاج وحده.

نعمل داخل هذه الفجوة، لا لنعوّض ما يمنعه النظام، بل لنبني ما لا يوفّره: مساحاتٌ موثوقة في المدارس والأطر الشبابيّة والفضاءات المجتمعيّة وقاعات التدريب، يفكّر فيها الطلّاب والشباب والمربّون والمُيسّرون تفكيرًا نقديًّا، ويبنون ثقتهم بأنفسهم، ويربطون ما يتعلّمونه بما يفعلونه.

تتغيّر الأنشطة من سنةٍ إلى أخرى، أمّا الغاية فلا تتغيّر. العدالة التعليميّة واحدةٌ من ثلاثة مخرجاتٍ استراتيجيّة في خطّتنا 2026-2029، والحِراك المدنيّ الشبابيّ هو الطريق إليها: الشباب ليسوا جمهورًا تُشرح له الحياة المدنيّة، بل فاعلون فيها. لذلك تتّجه الأولويّات التي يرفعها الشباب وأهاليهم إلى بنيةٍ مجتمعيّة دائمة. في الجلسة التأسيسيّة الأولى للمجلس المدني الجماهيري العربي في حيفا، في تمّوز 2026، كان التعليم واحدًا من ثلاث مجموعات عمل، وسمّت المجموعة أولويّاتها: إعادة تفعيل الأطر غير المنهجيّة داخل المدارس، والدعم التعليميّ المجانيّ، وثقافة التطوّع، وإشراك الطلّاب في إنتاج الحلول. هذه هي الأرض نفسها التي يقف عليها عملنا.

مسارات العمل الأربعة
شابٌّ على المسرح يبسط ذراعيه ويخاطب الحضور.

الطلّاب مشاركون فاعلون

من خلال العمل داخل المدارس والمبادرات التي يقودها الطلّاب أنفسهم، تُتاح لهم مساحةٌ للعمل معًا، ولتسمية القضايا التي تعنيهم فعلًا، ولممارسة المسؤوليّة داخل مدارسهم ومجتمعهم. في دورة 2024-2025، التقى أكثر من 200 طالبٍ وطالبة في ستّ مدارس عربيّة في حيفا، في لقاءاتٍ أسبوعيّة على مدى اثني عشر أسبوعًا. اختار كلّ صفٍّ تحدّيًا من محيطه وبنى مبادرةً صغيرة ردًّا عليه: أفلامٌ توعويّة عن الابتزاز الرقميّ وعن اللامساواة بين الجنسين، وكتيّبٌ مصوّر من قصصٍ قصيرة عن المساواة، وحملاتٌ بصريّة، وصندوق توفيرٍ صفّيّ. كانت المشاريع متواضعة بالقصد؛ أمّا ما بنته في الطلّاب فلم يكن متواضعًا. وفي استطلاعٍ مجهول الهويّة في ختام الدورة، قال 93% من المشاركين إنّهم سيشاركون مرّةً أخرى، وقال 88% إنّهم تعلّموا طرقًا جديدة للتفكير في المشكلات، وقال 87% إنّهم شعروا بالارتياح في التعبير عن آرائهم.

حلقةٌ صفّيّة: راويةٌ تستخدم الدُّمى وأطفالٌ منشدّون إليها، من زاويةٍ جانبيّة.

الأطر الشبابيّة والانتماء

العمل من خلال أطرٍ تحظى أصلًا بثقة الشباب، ومنها مجموعات الكشّاف، يصل إليهم حيث هم، بدل أن نطلب منهم أن يأتوا إلينا. هذه الأطر توفّر ما لا يستطيع أيّ برنامجٍ مدنيّ أن يصنعه: الانتماء، والبنية، وهويّة المجموعة، وفرصة التمرّن على القيادة بين أقرانٍ يعرفونك. وفي حيفا، حيث المساحات المتاحة للشباب العرب كي يتعلّموا ويعبّروا ويشاركوا مدنيًّا محدودة، فإنّ لقاءهم داخل أطرهم ليس تسهيلًا، بل هو غالبًا الطريق الوحيد القابل للاستمرار.

أيدٍ ترتّب بطاقاتٍ مطبوعة ورسوماتٍ وأوراقًا لاصقة على طاولة، خلال جلسة تصميمٍ مشترك مع طاقم التيسير.

تعلّمٌ نقديّ في عالمٍ رقميّ

الأدوات الرقميّة تشكّل كيف يتعلّم الشباب، وكيف يرون أنفسهم، وكيف يراهم الآخرون. نفتح في ورشاتنا نقاشًا نقديًّا حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ: حول الهويّة، والتمثيل، والخصوصيّة، والقوّة. الهدف ليس إتقان الأدوات، فالشباب يتقنونها؛ الهدف أن يفهموا ما تفعله بهم الأدوات، وما يستطيعون هم أن يفعلوه في المقابل. والمادّة يجلبها الشباب أنفسهم: الابتزاز الرقميّ والتشهير عبر الإنترنت من بين المواضيع التي يختارونها حين يكون الاختيار لهم.

معلّمةٌ تجلس في مستوى نظر طفلٍ وتحمل دميةً في غرفة روضة.

العدالة التعليميّة

العدالة التعليميّة تُبنى بعملٍ مجتمعيّ منظّم، لا ببرامج فرديّة. لجان الأهالي تحوّل الهموم المتفرّقة حول الوصول والمساواة إلى أولويّاتٍ مشتركة وخطواتٍ ملموسة، ونحن نوفّر ما يتطلّبه ذلك: توثيق الأنماط، والربط بشركاء مهنيّين وقانونيّين، والمرافقة بينما ينتقل الفاعلون في المجتمع من التجربة المعاشة إلى الفعل الجماعيّ. حين حُرم طلّابٌ عرب من الوصول إلى مسارٍ علميّ كاملٍ معترفٍ به في المدارس الثانويّة في حيفا، سار الطريق من لجنة أهالٍ، إلى تأطير القضيّة كقضيّة عدالةٍ تعليميّة، إلى شركاء مهنيّين وقانونيّين، وصولًا إلى المحكمة.

والأمر نفسه ينطبق على البالغين. التطوير المهنيّ الذي جُرّب في مدرستين وصل إلى معلّمين ومعلّمات من الطاقمين، وكان أوضح درسٍ في العمل مع الشباب أنّ الصفوف التي ذهبت أبعد هي تلك التي شارك فيها معلّموها. ما يجري داخل المدرسة يتوقّف على البالغين والمؤسّسة من حول الطلّاب، لا على الطلّاب وحدهم؛ ولهذا يربط هذا العمل ما يحدث في الصفّ بالسؤال الأوسع عن المساواة في حيفا: من يصل، ومن يُسمع، ومن يشكّل مستقبل التعليم العربيّ في المدينة.

ما الذي يبنيه هذا العمل

ما يبنيه هذا العمل هو بنية: المساحات والأدوات والثقة والقيادة المجتمعيّة التي يحتاجها الأطفال والشباب العرب في حيفا كي يتعلّموا، وينتموا، ويشاركوا في تشكيل ما هو آتٍ.

والدعم يذهب إلى هذه البنية، لا إلى نشاطٍ بعينه.